الثلاثاء، 21 أبريل 2026

 

مراجعة لمدارس التلقي والمشاركة

 في العمل الفني وكيف يتعامل معهاما بعد الإدراك”.

 

 

أولًا: مدخل نظريتطور مفهوم التلقي

ظل المتلقي عبر قرون طويلة ينظر إليه باعتباره مجرد شاهد على العمل الفني، يقف على مسافة منه دون أن يشارك في إنتاج معناه.

  في الفنون الكلاسيكية والشكلانية، كان الفن يقاس بجماله وتناسقه، بينما يقتصر دور المشاهد على التأمل السلبي.

 مع البنيوية، انتقل الاهتمام إلى مركزية النص أو العمل الفني نفسه، حيث عد المعنى حصيلة بنيته الداخلية، ولم يمنح المتلقي سوى دور القارئ المستقبل، الباحث عن النظام الرمزي الكامن.

  لكن هذا التصور لم يدم طويلا، إذ جاءت ما بعد البنيوية لتعلن كما عند رولان بارتموت المؤلفوولادة القارئ. لصبح النص أو العمل الفني مفتوح على تأويلات متعددة، وأضحى المتلقي شريك في إنتاج المعنى.

إلى جانب ذلك، بلورت نظرية التلقي الألمانية (ياوس، إيزر) إطار أكثر تنظيم، أكدت فيه أن العمل لا يكتمل إلا في تفاعله معأفق التوقعلدى المتلقي، وأن النص يتعمد ترك فجوات يتعين على القارئ أو المشاهد ملؤها بخياله وخبراته.

مع الفن المفاهيمي وفنون الأداء، برز بعد جديد أكثر جرأة:حيث اصبح المتلقي مؤولا و مشارك مادي وجسدي في اكتمال العمل.

 فقد قدم جوزيف بويز عروض لا تكتمل دون الجمهور، بينما حول ألان كابروالفنإلى حدث تشاركي، وجعلت مارينا أبراموفيتش جسدها مجال مفتوح لتدخل الجمهور. لتغدو المشاركة شرط بنيوي في تكوين العمل الفني.

ثانيا: من التلقي التفاعلي إلى ما بعد الإدراك

ينطلق تيار ما بعد الإدراك من هذا الأفق، لكنه لا يتوقف عند حدود التفاعل الجسدي أو التأويل التأويلي.

فالمشاركة هنا هى عملية تفكيك وإعادة تركيب لآليات الإدراك نفسها.

إذا كانت الحداثة قد حررت المتلقي من سلبيته، وما بعد الحداثة قد منحته موقع المؤول أو المشارك في إنتاج المعنى، فإن ما بعد الإدراك يضعه في موقع أكثر راديكالية

(تغيرعميق ) : المتلقي مختبر إدراكي يتعرض فيه وعيه لزعزعة حسية وفكرية.

المشاركة في هذا السياق جمالية وليس تقنية، وإبستمولوجية (معرفية) بالأساس.

فالعمل الفني يختبر حدود اللغة، هشاشة الحواس، وشرعية ما نعتبرهمعنى”.

 

ثالثا: تطبيقات من أعمال ما بعد الإدراك

في أعمال مثل الطوفان أو غياب القطرة، يجد المتلقي نفسه أمام تجربة حسية غامرة (تراكم الورق أو الماء)، تدفعه إلى التساؤل: هل ما أراه يمثل المعنى، أم يخفي فراغ تحته؟

 أما في عمل مثل ما بعد الطوفان، فالعملية أعمق: المتلقي يشارك جسديا (بطباعة ورقة أو إدخال نص)، و يساهم في بناء أثر جماعي يتحدى عبثية الطوفان.

ليصبح المعنى حصيلة مواجهة شخصية وجماعية مع فيض اللامعنى.

وفي تفاحة آدم، يتورط الجسد مباشرة: الأرض تغور، الضوء يتلاعب بالبصر، والإدراك يفقد استقراره.

 التجربة لا تستوعب كتفسير أو كجمال، انما كاهتزاز إدراكي يجبر المتلقي على إعادة التفكير في العلاقة بين الحواس والعالم.  ليتجاوز ما بعد الإدراك توسيع المشاركة، الى تحولها إلى فعل مقاومة للبداهة البصرية والسمعية، ومختبر نقدي يعيد تشكيل وعينا.

 

من خلال هذا المسار،

 يمكن تلخيص تطور التلقي كما يلي:

 

الكلاسيكية والشكلانية:

 المتلقي متأمل سلبي للجمال.

البنيوية: المتلقي قارئ للرموز. 

ما بعد البنيوية:

 المتلقي مؤلف مشارك للمعنى.

الفن المفاهيمي والأداء:

 المتلقي مشارك مادي وجسدي.

 ما بعد الإدراك: المتلقي مختبر إدراكي

- كائن قلق يعاد تشكيل وعيه.

إن تيار ما بعد الإدراك يرسخ تصور جديد يجعل التلقي نفسه تجربة معرفية - حسية، حيث لا يطلب من المتلقي أنيفهمأويعجب، انما أن يعيش حالة ارتباك تدفعه إلى مساءلة أدوات إدراكه، وإعادة برمجة وعيه من جديد 

...............

بقلم /ابراهيم شلبى

فنان مفاهيمى ومؤسس تيار ما بعد الادراك.

 

0 التعليقات:

About This Blog

Lorem Ipsum

  © Blogger templates Newspaper III by Ourblogtemplates.com 2008

Back to TOP