الخلفية النظرية والتأصيل
المسار الفني والفكري الذي أدى إلى تأسيس
تيار ما بعد الإدراك.
توثيق المسار الزمني والابتكار: من البذور الأولى إلى تأسيس تيار ما بعد الإدراك
إن الأعمال الثانية والعشرين التي يتضمنها هذا الكتاب لا تمثل مجمل إنتاج مشروع ما بعد الإدراك، انها تشكل عينة تأسيسية مختارة بعناية من مسار فني وفكري تجاوز في امتداده وعدد أعماله أكثر من أربعين عمل.
ويأتي هذا الاختيار انطلاقا من اعتبارات منهجية ومعرفية، تهدف إلى الحفاظ على تماسك البنية التحليلية للكتاب، وتجنب الإغراق الكمي الذي قد يشتت القارئ عن تتبع التحولات المفاهيمية الدقيقة التي أسست للتيار.
هذه الأعمال المختارة ليست نتاج سنة بعينها، ولا ثمرة إلهام عابر، هي حصيلة مسار ممتد لأكثر من ثلاثة عقود من البحث والتجريب والتأمل.
لقد ولدت أفكارها كبذور مبكرة، تشكلت في تداخل الوعي واللاوعي معا، ثم نمت وتحولت عبر مراحل متعاقبة من الخبرة الفنية والمعرفية، حتى بلغت درجة من النضج سمحت بتبلورها كمنظومة فلسفية، جمالية متماسكة، هي ما يعرف اليوم بتيار ما بعد الإدراك.
وقد اقتصر هذا الكتاب على الأعمال التي تمثل المنعطفات المفصلية في تطور التيار: تلك التي دشنت الأسئلة، وأعادت صياغة العلاقة بين الإدراك واللغة والزمن والواقع، وأسهمت بشكل مباشر في بناء الإطار النظري والعملي للمشروع.
أما بقية الأعمال، التي تواصل توسيع هذا الأفق وتختبر تطبيقاته وتفرعاته، فسيجري توثيقها ونشرها في كتاب لاحق، يتيح مساحة أوسع للعرض والتحليل، ويجعلها متاحة للجمهور العام، سواء من المتلقين، أو الباحثين، أو طلاب الفن والنقد المعاصر.
بهذا المعنى، لا يدعي هذا الكتاب الإحاطة النهائية بالمشروع، انه يقدم نفسه كوثيقة تأسيس وتأصيل، ترصد لحظة تشكل التيار، وتضع بين يدي القارئ مفاتيح فهمه، تمهيدا لامتدادات لاحقة تواصل فتح المسار بدل إغلاقه.
أولا: البدايات وتعدد المؤثرات
مرحلة التكوين:
منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين وبدايات التسعينيات، بدأت تتشكل الملامح الأولى لممارستي الفنية ضمن أفق تعبيري وتجريدي، متأثرة على نحو واضح بمدارس الحداثة الأوروبية والعربية، وبالتحولات الفكرية والجمالية التي رافقت تلك المرحلة.
اتسمت هذه البدايات، بتعدد المؤثرات وتداخلها، حيث شكلت التجربة فضاء مفتوح للاختبار والبحث أكثر من كونها مشروع ذا صيغة مكتملة.
وقد مثلت السريالية محطة حاسمة في هذا المسار التكويني،كـا أسلوب تشكيلي و منهج في التفكير البصري، وجه الانتباه نحو ما يتجاوز المرئي المباشر، وإلى الطاقة الرمزية الكامنة خلف الصورة، وإلى العلاقة الإشكالية بين الواقع والخيال واللاوعي.
من هنا بدأ الاهتمام المبكر بمساءلة ما يرى، كـ نتاج لآليات إدراكية وثقافية قابلة للانزياح والتشويش.
تخللت هذه المرحلة محاولات متعددة لاستكشاف وسائط وتقنيات متنوعة، شملت التصوير الزيتي والأكريليك، وفنون الكولاج، إلى جانب تجارب تركيبية مبكرة، جاءت في سياق البحث عن تجاوز سطح اللوحة التقليدية، والانفتاح على الفضاء والمواد والبعد المفاهيمي للعمل الفني.
وقد أسهم هذا التنوع التقني في بناء حس تجريبي ظل حاضر لاحقا في تطور المشروع ، ومهد للانتقال التدريجي من التعبير إلى التفكيك، ومن الشكل إلى السؤال.
وجدير بالذكر أن تفاصيل هذه التجارب التأسيسية، بما تتضمنه من محاولات أولى، وانكسارات، وتبدلات أسلوبية، وابتكارات في الخامة والمعالجة، قد جرى توثيقها بشكل موسع في الجزء الأول من هذا المشروع المعرفي والفني، المعنون «علبة ألوان: سيرتي من 6 - 60».
ففي ذلك الجزء، تم تناول البدايات منذ أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات وصولًا إلى اللحظة الراهنة،كـا سيرة فنية وفكرية موازية، تشكل الخلفية التاريخية والوجدانية التي انبثق منها لاحقا تيار ما بعد الإدراك.
ثانيا: من التجريب الفردي إلى تراكم الوعي.
مع اتساع دائرة الممارسة الفنية، شاركت في معارض محلية ودولية، أتاح لي ذلك الانخراط المباشر في سياقات عرض متنوعة، ومواجهة أنماط مختلفة من التلقي، تتراوح بين التلقي الجمالي التقليدي والتفاعل النقدي المرتبط بالبنى المؤسسية للفن. وقد شكلت هذه التجارب فضاء عملي لاختبار حدود العمل الفني خارج شروطه الذاتية، وفي مواجهة الجمهور والمؤسسة والسياق الثقافي على حد سواء.
من خلال هذا الاحتكاك المتراكم، بدأت تتبلور أسئلة تتجاوز البعد الشكلي للعمل، لتطال بنيته الإدراكية ووظيفته المعرفية:
ما حدود الصورة في قدرتها على إنتاج المعنى؟ وأين يقف المتلقي بين المشاهدة والمشاركة؟ وهل يظل الفن محصور داخل فضاءات العرض التقليدية، أم يمكن أن يمتد ليختبر الواقع نفسهكـ مادة ووسيط؟
أفضى هذا التراكم التجريبي إلى نشوء حالة من القلق النقدي، كان نتيجة وعي متزايد بتناقضات التلقي المعاصر، وبالهشاشة الكامنة في العلاقة بين الصورة والحقيقة في زمن يتكاثر فيه التمثيل وتتآكل فيه المرجعيات.
ومع مرور الوقت، تحول هذا القلق من حالة شعورية إلى موقف معرفي واع، يطالب بتجاوز حدود الإدراك الحسيكـ أفق نهائي للفن.
من هنا بدأت تتشكل الحاجة إلى تأسيس لغة فنية جديدة، تتجاوزإنتاج الأثر الجمالي، و تسعى إلى تفكيك شروط إنتاجه ، وتحويل العمل الفني إلى جهاز نقدي قادر على مساءلة الإدراك ذاته، والانتقال بالمتلقي من فعل الرؤية إلى ممارسة الوعي النقدي.
وقد مثل هذا التحول إحدى العتبات الأساسية التي مهدت للانتقال من التجريب الفردي إلى بلورة مشروع فكري،جمالي أوسع، سيجد صيغته المتكاملة لاحقا في تأسيس تيار ما بعد الإدراك.
ثالثا: ظهور الملامح الأولى للتيار
تكون هذا المسار عبر عدد من التجارب والأعمال المفاهيمية التي تجاوزت الثلاثين عمل... اللحظة التي أعلنت فيها ميلاد هذا الاتجاه بوضوح كانت من خلال العمل التركيبي «عزل»، الذي شكل إحدى البذور الأولى لتبلور هذا التيار."
وقد نال العمل اعتراف مؤسسي حيث عرض لاول مرة بالمعرض العام 44 وهو الحدث السنوى الاكثر شهرة فى مصر والذى تنظمه وزارة الثقافة وقطاع الفنون التشكيلية ثم اختيررسميا لبينالى مالطا 26 لتمثيل جناح مصر.
ثم بشكل تدريجي عبر مجموعة من الأعمال المفاهيمية المبكرة، كان من أبرزها عمل «هذا ليس غليون»، حيث تحول إلى أداة للسؤال النقدي حول العلاقة بين التمثيل والمعنى. ومع أعمال لاحقة مثل «تفاحة آدم» و«ما بعد الصوت»، اتسع أفق المشروع ليشمل مساءلة فلسفية للإدراك كمنظومة مركبة تتداخل فيها الحواس واللغة والسياق الثقافي.
وقد شكلت هذه المرحلة مختبر فكري وتجريبي، أرسى الأسس النظرية التي انطلقت منها المراحل اللاحقة للتيار.
رابعا: نحو التأسيس المنهجي
تشكل التيار نتيجة سلسلة مترابطة من التجارب الفنية والفكرية التي تراكمت لتكون جسد مفاهيمي متكامل.
فقد أسهم كل عمل، سواء أنجز فعليا أو ظل في طور التخطيط والانتظار، في صياغة البنية الداخلية للتيار وتحديد ملامحه المنهجية.
لتعرض الأعمال كنماذج مكتملة وكحلقات مترابطة تكشف منطق التكوين الداخلي للتيار، وتوضح كيف تبلور كمنظومة فكرية وجمالية ذات أسس منهجية واضحة.
خامسا: من التجربة الفردية إلى الأفق الجماعي المفتوح
يطرح تيار «ما بعد الإدراك» نفسه كإطار مفاهيمي مفتوح يدعو الفنانين والنقاد والمتلقين إلى إعادة النظر في أسس العلاقة بين الرؤية والوعي، وبين العمل الفني والعالم الذي ينتج داخله.
فالقيمة الحقيقية لهذا التيار تكمن في قدرته على توليد أسئلة قابلة للتداول والتجدد عبر سياقات ثقافية وزمنية متعددة.
إن الأعمال والنصوص التي يضمها الكتاب تشكل معا توثيق لمسار فكري، جمالي تراكمي، انتقل من التجربة الفردية إلى بناء مشروع قابل للمشاركة، ومن التأمل الذاتي إلى مساءلة البنى الإدراكية السائدة.
وفي هذا الانتقال، يتحول الفن من أداة تعبير إلى ممارسة معرفية، ومن منتج بصري إلى حقل اختبار للوعي النقدي في عصر المحاكاة والتشويش الإدراكي.
وعليه، يقدم الكتاب كنقطة تثبيت مؤقتة في رحلة مفتوحة، وكمقترح نظري وعملي يظل قابل لإعادة القراءة والتطوير. فـ«ما بعد الإدراك» سيرورة مستمرة، يتجدد فيها الفن كفعل واعي لمساءلة الواقع، وإعادة تعريف إمكانات الرؤية والوجود داخل عالم لا يكف عن التحول.
مسار تشكل المفهوم:
من السؤال الإدراكي إلى البناء التياري
تشكل تأسس التيارتدريجيا عبر تراكم التجارب التي جعلت من الإدراك ذاته موضوع للفحص والتقويض وإعادة الصياغة.
من الإرباك الإدراكي إلى الوعي البنيوي
في مرحلته الأولى، اشتغل المشروع على إحداث خلخلة في الثقة البديهية بين الصورة ومعناها، عبر نقله إلى سياق معرفي معاصر تتضاعف فيه وسائط المحاكاة.
هنا تغير التناقض بين العبارة والصورة من مجرد لعبة لغوية، الى مؤشرعلى هشاشة الإدراك نفسه كـمنظومة ثقافية مشروطة.
توسيع التجربة من البصر إلى الجسد
مع انتقال الأعمال من الحيز التصويري إلى الفضاء التركيبي، اتخذ السؤال الإدراكي بعد أكثر تعقيد.
حيث اصبح المتلقي يواجه مفارقة ذهنية وصار منخرطا جسديا ونفسيا داخل منظومة حسية تولد التوتر وعدم اليقين.
في هذه المرحلة، تبلور الإدراك كخبرة وجودية مركبة، تتجاوز الرؤية إلى الذاكرة، والقلق، والاستجابة الجسدية، ما رسخ فكرة أن الإدراك سلوك إنساني شامل.
من التجربة الفردية إلى مساءلة البنية المؤسسية
لاحقا، اتسع نطاق الاشتغال من اختبار الإدراك الذاتي إلى مواجهة الأطر التي تنتج المعنى وتضبطه. لم تعد الأعمال تكتفي بزعزعة يقين المتلقي،حيث بدأت في تفكيك البنية التي تمنح الشرعية لما يرى ويصنف ويقدس فنيا.
ليتحول الإدراك إلى أداة نقد للمؤسسة، وأصبح العمل الفني فعلا إشكاليا يختبر حدود السياق ذاته، لا مجرد محتوى داخله.
تفكيك الحواس من داخل المألوف
في مرحلة لاحقة، تم استدعاء الصوت كوسيط إدراكي لا يقل خداع عن الصورة. عبر اللعب على الذاكرة السمعية اليومية، انكشف مدى اعتماد الإدراك على التوقع والعادة أكثر من اعتماده على الواقع المباشر.
هذا التحول وسع التيار ليشمل نقد البديهيات الحسية من داخل أنساقها المألوفة، لا من خارجها.
التبلور كتيار مفتوح
من خلال هذا التراكم المتدرج، خرج المشروع من حدود التجربة الفردية ليتخذ ملامح تيار فني-فلسفي له منطقه الداخلي، وأدواته، وأفقه النقدي.
حيث أصبح «ما بعد الإدراك» ، إطار مفاهيمي يسعى إلى تجاوز الفن المفاهيمي التقليدي، عبر نقل مركز الثقل من تمثيل العالم إلى مساءلة شروط إدراكه.
لينتقل «ما بعد الإدراك» من سؤال حسي أولي إلى بنية مفتوحة تعيد التفكير في علاقة الإنسان بالحواس، وبالواقع، وبالأنظمة التي تصوغ المعنى.
وفي هذا التحول، تخطى الفنان من مجرد منتج لتجربة، الى فاعل في تأسيس أفق نقدي جديد، يعامل الإدراك كمجال للصراع المعرفي والوجودي.
من البانوراما إلى اللحظة المفصلية
إذا كانت الدراسة السابقة قد سعت إلى تقديم بانوراما شاملة لمسار إبراهيم شلبي الفني والفكري منذ البدايات وحتى تبلور تيار ما بعد الإدراك، فإن الدراسة التالية تختار زاوية أكثر تحديد، إذ تتوقف عند اللحظات المفصلية التي صنعت التحول النوعي من التجربة الأولى «أسمع وأرى وأتكلم» إلى المشروع المؤسس «ما بعد الإدراك».
بهذا الانتقال، يتحول التحليل من رسم المسار العام إلى تفكيك العقد الأساسية التي شكلت نواة التيار:
كيف انتقل الوعي من مواجهة اجتماعية مباشرة إلى مساءلة فلسفية عميقة لشروط الإدراك، وكيف تحول الفنان من محرض على الحضور والمشاركة إلى ناقد معرفي يكشف آليات الوهم والتضليل ؟.
إن هذا التدرج يعكس نقلة إبستمولوجية (معرفية) وجمالية في آن: من فعل الإدراك كمقاومة حسية إلى فعل النقد كتأسيس لمشروع فكري، جمالي متماسك
بقلم/ ابراهيم شلبى
فنان مفاهيمى ومؤسس تيار ما بعد الادراك.

0 التعليقات:
إرسال تعليق