الرؤية المستقبلية للريادة:
منظور إبراهيم شلبي
-1 الرؤية الفلسفية للريادة
- نحو أفق جديد للإدراك
يأتي تيار ما بعد الإدراك كتجربة تأسيسية تسعى إلى إعادة التفكير في وظيفة الفن في زمن يطغى فيه حضور الصورة والتقنية على الوعي الإنساني.
فالتحدي المستقبلي يكمن في إتقان أدوات الإدراك البصري والسمعي ، وفي تطوير وعي نقدي قادر على كشف التلاعب بالمحسوس، وتفكيك البنى الخفية التي تعيد صياغة علاقتنا بالواقع.
ومن هنا، يتحدد دور هذا التيار كمنظور بديل يضع الإدراك ذاته موضع تساؤل.
2 - الأفق المستقبلي للتيار- من المحلية إلى الكونية
على الرغم من انبثاق التيار من تجربة ذاتية مرتبطة بسياق محلي في أعمالي، إلا أن أسئلته تنفتح بالضرورة على أفق كوني.
إن إشكالية الخداع الإدراكي، وتداخل الواقع بالتمثيل، وأزمة المعنى في عصر المحاكاة، كلها قضايا عابرة للحدود الجغرافية والثقافية. وهذا ما يمنح التيار قابليته للانتشار والتفاعل في البيئات الفنية والنقدية العالمية،كـ خطاب مشترك حول مأزق الإدراك في الحضارة المعاصرة.
3. التأثير النظري والعملي
من المتوقع أن يترك التيار أثر مزدوج:
على المستوى النظري: يسهم في إعادة صياغة مفاهيم التلقي والوعي والإدراك داخل الحقل النقدي،
بما يمنحه موقع متمايز عن المدارس السابقة (البنيوية، ما بعد البنيوية، نظريات التلقي)
.على المستوى العملي:
يحفز الفنانين على إنتاج أعمال تفاعلية- حسية تتجاوز حدود التلقي الجمالي التقليدي، لتصبح تجارب تفكيك وإعادة تركيب للوعي الإدراكي، حيث يتحول المتلقي من مستهلك للمعنى إلى مختبر لإمكاناته وحدوده.
4. الريادة كمسؤولية
إن الريادة التي اقترحها عبر هذا التيار تتمثل في إرساء مشروع مستدام للتفكير النقدي في الفن.
فالمسؤولية هنا تتجاوز حدود الإنجاز الفردي، لتغدو التزام بتوفير أدوات فكرية وإبداعية للأجيال القادمة، بحيث يكون الفن ممارسة معرفية تسائل الإدراك ذاته، لا مجرد وسيط للتعبير أو التجميل.
5. خاتمة مفتوحة
إن المستقبل في ما بعد الإدراك يفهم كزمن آت، و كمساحة اختبار مستمرة. إنه مشروع للقلق البناء، حيث يلتقي الفنان والناقد والمتلقي في مغامرة مشتركة، هدفها زعزعته وإعادة التفكير فيه على الدوام.
وفي هذا الأفق، تتجلى ريادة إبراهيم شلبي: ريادة لا تكتفي بالتموضع داخل تاريخ الفن المعاصر، لكنها تسعى إلى إعادة صياغة شروط هذا التاريخ ذاته عبر تفكيك الإدراك وإعادة ابتكاره.
..........................................
الدعوة المفتوحة لتوسيع التيار عالميا.
من المحلي إلى الكوني
رغم أن تيار ما بعد الإدراك قد انبثق من سياق فكري وفني مصري/عربي، فإن بنيته المفاهيمية وأسئلته الإدراكية تمنحه طاقة تتجاوز حدود النشأة الجغرافية.
فهو لا يسعى إلى منافسة التيارات السائدة بقدر ما يفتح فجوة جديدة في وعينا الجمالي، فجوة باتت ضرورة في زمن تضخم الحس البصري وتشظي المعنى.
إن مشروعه يندرج ضمن ما يمكن تسميته الكونية النقدية، أي القدرة على مساءلة البديهي المشترك بين البشر:
الحواس، اللغة، والعلاقة الملتبسة بين الدال والمدلول.
أسباب قابليته للتمدد عالميا
كونية الإرباك الإدراكي:
الاضطراب الحسي خبرة إنسانية عامة، ازدادت راهنيتها في عصر الخوارزميات والواقع المركب. جميع البشر يشتركون في الحواس، وبالتالي يشتركون في القلق الناتج عن تضخم الصورة وتزييف المعنى.
تشابكه مع التقنيات الجديدة:
تعامل التيار مع الذكاء الاصطناعي أو الواقع المعزز كمواد نقدية تفكك وسائط الرؤية.
هذه العلاقة النقدية مع التكنولوجيا تجعله متماهي مع دوائر البحث الفني في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث يعاد التفكير في الوسيط كمصدر للريبة وليس نافذة شفافة.
انفتاحه على التعدد الثقافي واللغوي:
يتيح التيار إعادة صياغة أسئلته داخل سياقات متباينة.
يمكن لفنان ياباني أن يعبر عنه من خلال البوذية، كما يمكن لفنان نيجيري أن يعيد إنتاجه عبر الميثولوجيا الإفريقية أو الموروث الصوفي. هذه المرونة تعني أن التيار ليس ملكية حصرية، انه مشاع جماليا وفلسفيا.
أرضيته الفلسفية المشتركة:
يتقاطع التيار مع أسئلة ما بعد البنيوية، الظاهراتية، فلسفات اللغة، النيو-مادية، والدراسات النقدية للصورة.
هذه الحاضنة الفكرية تمنحه قابلية للاندماج في النقاشات الأكاديمية العالمية خارج أي تمركز جغرافي
الدعوة للتجريب ومراكمة المفاهيم
تيار ما بعد الإدراك اقتراح مفتوح للتفكير.
إنه لا يقدم وصفات جاهزة،
انه يحرض الفنان على التجريب باعتباره موقف من العالم.
في قلبه تتجاور دعوتان أساسيتان:
التجريب المفتوح:
التحرر من طغيان الشكل، ومن قيد الدلالة الواحدة. هنا يصبح كل عمل مغامرة حسية- ذهنية تبدأ بالشك في البديهي وتنتهي باقتراحات جديدة للواقع.
فكل فنان يفكك ويعيد تركيب الحواس، يربك العلامات، ويغير العلاقات بين الصوت والصورة واللغة، فهو يوسع أفق التيار.
مراكمة المفاهيم:
يقوم التيار على شبكة مفاهيمية تتراكم مع كل تجربة: الاضطراب الحسي، زيف التسمية، انزلاق الحواس، تخريب البديهي، تشويش العلامة، سيولة الرمز… مفاتيح تتوالد، لتبني طبقات متجددة من الفهم، ولتجعل التيار في حالة حركة دائمة.
نحو أفق كوني
اقتراح عالمي ولد من الهامش ليعيد مساءلة المركز ذاته: مركز الثقة في الحواس وفي سلطة الرؤية. وكلما اشتدت الفوضى البصرية، ازدادت الحاجة إليه
.لهذا، تبقى الدعوة مفتوحة:
إلى الفنانين والباحثين والمصممين والمجربين البصريين-السمعيين-اللغويين:
ازرعوا في هذا الحقل، حتى لو كان ذلك ضد التيار.
جربوا أن تربكوا أنفسكم أولا،
أن تخلطوا بين الصوت والصورة،
بين الوظيفة والرمز،
بين اللغة والحواس.
فكلما ازداد ارتباك المعنى،
اقترب الفن من لحظة صدقه القصوى.
........................................
ابراهيم شلبى
مؤسس تيار ما بعد الادراك

0 التعليقات:
إرسال تعليق