الاثنين، 5 يناير 2026

دراسة نقدية

ابراهيم شلبى
من التأكيد الحسي إلى النقد ما بعد الإدراكي
دراسة نقدية لمشروع فني معاصر مستقل



مقدمة

يمثل مسار الفنان المصري إبراهيم شلبي حالة خاصة في الفن التشكيلي العربي المعاصر، ليس بوصفه فنانًا ذا إنتاج غزير فحسب، بل باعتباره صاحب مشروع فكري–بصري متماسك، تطور عبر أكثر من ثلاثة عقود من الممارسة، وانتقل تدريجيًا من التعبير الجمالي إلى بناء خطاب نقدي يتعامل مع الإدراك نفسه بوصفه موضوعًا للفن.

لا يمكن قراءة تجربة شلبي قراءة أسلوبية تقليدية، إذ إن تحولات أعماله لا تُفسَّر بتغير التقنيات أو الوسائط فقط، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحولات السياق الاجتماعي والسياسي والتقني، وبسعي واعٍ إلى إعادة تعريف وظيفة الفن ودور الفنان في زمن الصورة المتضخمة والخداع البصري.


أولًا: الخلفية والتكوين – الفن خارج المؤسسة الأكاديمية

وُلد إبراهيم شلبي عام 1966 في كفر الشيخ، وهي بيئة ثقافية بعيدة نسبيًا عن المركزية الفنية في القاهرة، ما أتاح له تكوينًا بصريًا مستقلًا، تشكّل عبر الاحتكاك المباشر بالواقع الاجتماعي والثقافي.
رغم حصوله على بكالوريوس التجارة من جامعة طنطا عام 1989، فإن هذا المسار الأكاديمي لم يكن إلا هامشًا في مشروعه الحقيقي، إذ اتجه مبكرًا إلى الفن باعتباره وسيلة للفهم والتفكيك، لا كمهنة تقليدية.

هذا التكوين غير الأكاديمي للفن كان له أثر بالغ في تشكيل وعيه النقدي؛ إذ لم ينطلق من قوالب مدرسية جاهزة، بل من التجربة الحياتية، ومن الاحتكاك المباشر بالفضاء العام، ومن القراءة الحرة في الفلسفة، واللغة، والنقد الاجتماعي.


ثانيًا: المرحلة المبكرة – التعبير والواقع (1995–2008)

في معارضه الأولى، مثل «الفردوس المفقود» و**«ولادة»** (1995–2002)، قدّم شلبي أعمالًا تصويرية تعتمد على التعبير اللوني والانفعالي، حيث يظهر اهتمام واضح بالإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا مأزومًا.
لم تكن هذه الأعمال محض تجارب جمالية، بل حملت بذور وعي نقدي مبكر، يتجلى في اختيار الموضوعات، وفي العلاقة المتوترة بين الشكل والمحتوى.

مع انتقاله إلى إسبانيا، ومشاركته في معارض مثل «شبابيك» بمدريد (2008)، بدأت لغته التشكيلية تنفتح على مفاهيم جديدة تتعلق بالنافذة، العبور، والرؤية، وهي مفاهيم ستتبلور لاحقًا في مشروعه المفاهيمي الأكبر.


ثالثًا: «أسمع وأرى وأتكلم» – الحواس كأداة مقاومة (2009–2013)

يمثل مشروع «أسمع وأرى وأتكلم» نقطة تحول مركزية في مسار شلبي.
انطلق المشروع في سياق اجتماعي وسياسي اتسم بالصمت القسري وتهميش الصوت الفردي، حيث كان الشعار الضمني السائد هو: لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم.

هنا، قلب شلبي المعادلة، ليعلن فعلًا مضادًا:

·         السماع بوصفه وعيًا

·         الرؤية بوصفها كشفًا

·         الكلام بوصفه مسؤولية

اعتمد المشروع على التصوير الفوتوغرافي المفاهيمي، والمعالجة البصرية للجسد الإنساني، حيث تتحول الأجساد إلى أفواه وعيون وآذان، في استعارة مباشرة لاستعادة الإدراك بوصفه فعل مقاومة.
في هذه المرحلة، كانت الحواس تُقدَّم كخط الدفاع الأخير ضد التزييف، وكان الرهان على وعي الفرد والجماعة.


رابعًا: التحول المفاهيمي – من الثقة بالحواس إلى نقدها

مع تسارع التحولات التقنية، وبروز الخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات المحاكاة البصرية، لم يعد هذا الرهان كافيًا.
وهنا يظهر مشروع «ما بعد الإدراك» (2019–الآن) بوصفه استجابة نقدية لهذا التحول الجذري.

في هذا المشروع، لا يعود السؤال: كيف نرى؟
بل يصبح: هل ما نراه حقيقي؟
وهل يمكن الوثوق بالحواس في عصر الصورة المصنعة؟

يمثل «ما بعد الإدراك» انتقالًا من:

·         الإدراك المباشر → الإدراك النقدي

·         اليقين الحسي → الشك الفلسفي

·         الفن بوصفه كشفًا → الفن بوصفه مساءلة

يتقاطع هذا الطرح مع تراث فلسفي عربي–إسلامي عميق، خصوصًا أسئلة الغزالي وابن سينا حول خداع الحواس وحدود المعرفة، لكن شلبي يعيد صياغته داخل سياق بصري معاصر.


خامسًا: الجدلية بين المشروعين

العلاقة بين «أسمع وأرى وأتكلم» و«ما بعد الإدراك» ليست قطيعة، بل امتداد جدلي:

العنصر

المشروع الأول

المشروع الثاني

السياق

اجتماعي–سياسي

إدراكي–تقني

دور الحواس

أداة مقاومة

موضوع نقد

نوع الوعي

مباشر

نقدي

دور الفنان

محرض اجتماعي

ناقد معرفي

هذا الامتداد يؤكد أن مشروع شلبي ليس سلسلة أعمال منفصلة، بل مسار فكري واحد يتطور مع تغير الزمن.


سادسًا: الحضور المؤسسي والدولي

يمتد حضور شلبي عبر عشرات المعارض الفردية والجماعية داخل مصر وخارجها، إضافة إلى مشاركاته الدولية في فنزويلا، العراق، قطر، وإسبانيا.
وتُعد مشاركته المرتقبة بجناح يمثل مصر في بينالي مالطا الدولي 2026 ذروة لهذا المسار، حيث يُقدَّم مشروعه ضمن سياق عالمي يضم 22 جناحًا دوليًا.


سابعًا: الكتابة والتنظير بوصفهما امتدادًا للممارسة

لا ينفصل شلبي عن الكتابة بوصفها نشاطًا موازيًا للفن.
مؤلفاته في فهرسة الفنانين، والنظرية، والتكوين، تؤكد وعيه بدور الفنان كمفكر وموثِّق وفاعل ثقافي، لا كمُنتِج صور فقط.


خاتمة: الفن كفعل مقاومة معرفية

يشكّل مسار إبراهيم شلبي مثالًا لتحول التجربة الفردية من البحث عن أسلوب إلى صياغة مشروع جماعي ذي بعد فلسفي.
فنه لا يسعى إلى تجميل الواقع، بل إلى فضحه، لا إلى طمأنة الإدراك، بل إلى زعزعته.

بهذا المعنى، لا يُعد «ما بعد الإدراك» مدرسة مغلقة، بل سيرورة مفتوحة، وجدلية مستمرة بين الحواس والوعي، بين الصورة والحقيقة، بين الفن والعالم.

 

 


0 التعليقات:

About This Blog

Lorem Ipsum

  © Blogger templates Newspaper III by Ourblogtemplates.com 2008

Back to TOP